سياسة الحكومة في تدبير صندوق المقاصة وانعكاساته على القدرة الشرائية للمواطنين

2018-01-23

جواب رئيس الحكومة الدكتور سعد الدين العثماني حول السؤال المحوري الأول "الحكامة الترابية وانعكاساتها على التنمية المحلية" خلال الجلسة الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة بمجلس المستشارين يوم الثلاثاء 23 يناير 2018.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين؛

السيد رئيس مجلس المستشارين المحترم،

السيدات والسادة المستشارين المحترمين،

أود في البداية أن أشكر السيدات والسادة المستشارين المحترمين على تفضلهم بطرح هذه الأسئلة حول السياسة الحكومية في تدبير صندوق المقاصة، وهو موضوع من الأهمية بمكان لارتباطه بالقدرة الشرائية للمواطنين والتوازنات المالية للدولة.

وأود التذكير في هذا الصدد أن إصلاح نظام المقاصة يعد إجراء لا مناص منه بعد أن أثبتت الدراسات والتحليلات وجود عدة اختلالات تمثلت أساسا في عدم استقرار الغلاف المالي المخصص للدعم بسبب ارتفاع الأسعار الدولية للمواد المدعمة وتزايد الطلب الداخلي على هذه المواد.

إن إصلاح نظام المقاصة هو إصلاح هيكلي، يهدف، من جهة، إلى تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال توجيه الدعم إلى الفئات الفقيرة والمستحقة، ومن جهة أخرى، إلى توجيه الموارد المالية العمومية إلى دعم الاستثمار والبرامج الاجتماعية الكفيلة بخلق فرص الشغل وتحسين المستوى المعيشي للسكان بشكل دائم.

وانطلاقا من هذه الأهداف، فقد تمت مباشرة هذا الإصلاح بالنسبة لقطاع المحروقات، باعتماد مقاربة تدريجية، ابتداء من شتنبر 2013 إلى أن تم تحرير القطاع بصفة نهائية في دجنبر 2015. وقد ساهم هذا الإصلاح، في تقليص الدعم الإجمالي المخصص للمقاصة بالميزانية العامة بنسبة تفوق 70%، حيث لم يتعد هذا الدعم 10 مليار سنة 2016، و12 مليار درهم سنة 2017، و13 مليار درهم برسم قانون مالية 2018، مما خفف العبء على خزينة الدولة، كما مكن من توفير إمكانيات إضافية تم توظيفها في مشاريع وبرامج اجتماعية.

وتأسيسا على هذه النتائج الإيجابية، فإن الحكومة عازمة، تنفيذا لمضامين البرنامج الحكومي، على مواصلة إصلاح صندوق المقاصة من خلال رفع الدعم تدريجيا عن المواد المتبقية بهدف الزيادة في الاعتمادات الموجهة إلى تمويل سياسات وبرامج التنمية الاجتماعية، ودعم الفئات الهشة والمحتاجة، ويتعلق الأمر بمادة غاز البوتان، ومادة السكر، والدقيق.

أولا- بالنسبة لمادة غاز البوتان

اعتبارا للدور الحيوي الذي يشكله غاز البوطان بالنسبة للمعيش اليومي للمواطن المغربي، فلم تعرف أسعار غاز البوطان أي زيادات منذ عشرات السنين، برغم أن السعر المرجعي المسجل في الأسواق العالمية لهذه المادة يبلغ في بعض الاحيان مستويات مرتفعة ( بلغت مثلا 423 دولارا للطن سنة 2017)، دون اغفال التكاليف الأخرى المتعلقة بالشحن ومصاريف المقاربة التي عرفت ارتفاعا خلال كل هذه السنوات، حيث بلغت نسبة دعم قنينة الغاز في بعض الأحيان ما يفوق 240 %.

وقد استمرت الحكومة في دعم هذه المادة وبغلاف مالي سنوي تراوح بين 13,1 مليار درهما سنة 2012، و13,5 مليار درهما سنة 2014 (فاق مبلغ الدعم في هذه الفترة 80 درهما للقنينة من فئة 12 كلغ)، قبل أن ينخفض إلى 8,9 مليار درهم سنة 2016، (ما يعادل 44 درهما للقنينة من فئة 12 كلغ)، ثم 07 مليار درهم سنة 2016، (ما يعادل 33 درهما للقنينة من فئة 12 كلغ)، حسب تطور السعر في السوق الدولية، كما يقوم صندوق المقاصة بتحمل مجموعة من التكاليف المتعلقة باستيراد وتخزين وتعبئة وتوزيع هذه المادة.

وبالرغم من أن غاز البوتان يكتسي أهمية لدى الأسر الفقيرة والمتوسطة، فإن هذا الدعم، تستفيد منه الفئات الغنية. لذا، فإن الحكومة عازمة على رفع الدعم تدريجيا عن مادة البوتان، بهدف الزيادة في الاعتمادات الموجهة إلى تمويل سياسات وبرامج التنمية الاجتماعية، ودعم الفئات الهشة والمحتاجة.

وفي انتظار الإصلاح الشامل لمنظومة دعم غاز البوطان في إطار المقاربة الشاملة للحماية الاجتماعية التي يتم العمل عليها، قامت الحكومة كخطوة أولية بالرفع من أداء هذا القطاع من خلال تحرير واردات غاز البوطان مع وضع تركيبة مرجعية جديدة، والتقليص من تدخل الصندوق وإعطاء الشركات الغازية الحرية في تدبير وارداتها.

ثانيا- بالنسبة لبعض المواد الغذائية (السكر والدقيق):

فيما يخص المواد الغذائية المدعمة، أي قطاعي السكر والدقيق الوطني، فقد تم اتخاذ مجموعة من التدابير التي من شأنها اعادة هيكلتها وتأهيلها، في انتظار الإصلاح الشامل.

  • فبالنسبة للسلسلة السكرية، التي تحتاج إلى إعادة التنظيم بالنظر إلى الإشكالات التي يعرفها هذا القطاع، والتي تتمثل بالأساس في تراجع الإنتاج الوطني للسكر المستخلص من النباتات السكرية المنتجة محليا، واللجوء المكثف إلى استيراد السكر الخام، مما يؤدي إلى ارتفاع غلاف الدعم الموجه لهذا القطاع بالنظر لإرتفاع الأثمنة العالمية للسكر الخام في السنوات الأخيرة ( 3,24 مليار درهم برسم سنة 2015، و 3,66 مليار درهم برسم سنة 2016).

ومن أجل اعادة التوازن إلى هذا القطاع والتقليص من التبعية إلى الأسواق الخارجية والرفع من مردودية القطاع الفلاحي المنتج للنباتات السكرية، فقد تم اعماد الإجراءات الأتية:

  • الرفع من مداخيل الفلاحين المنتجين للنباتات السكرية عبر الرفع من ثمن الشمندر وقصب السكر على مرحلتين. وقد تم تحقيق هذا الاجراء عن طريق مراجعة مستويات الدعم المقدم للسكر المصف؛
  • تحيين مستوى الثمن المرجعي الذي يتم بموجبه حماية الإنتاج المحلي للسكر الخام من اجل الحفاض على تنافسية السكر الخام المنتج محليا والحفاظ على القدرة الإنتاجية للفلاح المحلي؛
  • اعتماد برنامج تعاقدي جديد يهدف إلى تأهيل هذا القطاع على مدى سبع سنوات من سنة 2013 إلى 2020 من أجل الوصول إلى مستوى مناسب من تغطية الحاجيات الوطنية من هذه المادة الأساسية.

وقد عرف الإنتاج الوطني للسكر المستخرج من النباتات السكرية المنتجة محليا تطورا مهما، إذ مرت نسبة تغطية حاجياتنا الوطنية من 20% سنة 2012 الى 42 % سنة 2015 ثم 50% سنة 2016.

وهذه النتائج ساهمت في تقليص الدعم الموجه لقطاع السكر والتخفيف من عبئه على خزينة الدولة حيث فاق هذا الدعم خلال بعض السنوات 5 ملايير من الدرهم، وتم حصره حاليا في 3.5 مليار من الدرهم.

  • أما بالنسبة لقطاع الدقيق الوطني، فقد تم التقليص من حصة الدقيق الوطني الموزع وحصرها في 6 مليون قنطار برسم سنة 2016، بدل 9 مليون قنطار، مع تحيين الدورية الوزارية المتعلقة بإنتاج وتوزيع الدقيق الوطني للقمح اللين، وإدراج مقتضيات من شأنها إعادة هيكلة هذا القطاع وتحسين جودة الإنتاج، كما تم تكثيف المراقبة وتشديد الإجراءات الجزرية المتعلقة بجودة الدقيق المدعم.

وفي نفس السياق ومن أجل ضمان استقرار أثمنة الخبز يتم تفعيل بنود البرنامج التعاقدي الذي يهدف إلى تطوير وهيكلة قطاع المخابز.

 

 

ثالثا- الإجراءات المواكبة للإصلاح الشامل للمقاصة

من المعلوم أن الإصلاح الشامل والتدريجي لنظام المقاصة يهدف أساسا إلى توفير هوامش إضافية لتمويل البرامج الاقتصادية والاجتماعية ذات الأثر الملموس على مستوى عيش المواطنين، وهي البرامج التي ترمي إلى تعزيز الحماية الاجتماعية للطبقات التي تستحقها، ونذكر من بينها "برنامج تيسير" الذي يسعى إلى محاربة الهدر المدرسي، ونظام المساعدة الطبية "راميدودعم الأرامل وغير ها.

ومن الطبيعي أن مواصلة الإصلاح الشامل من خلال رفع الدعم عن باقي المواد المتبقية، لا يمكن أن يتم إلا في إطار مقاربة شمولية تتضمن جملة من الإجراءات المواكبة التي تتوخى الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين وتحسين استهداف الفئات الفقيرة والهشة، وذلك في انسجام وتكامل مع البرامج الحكومية الأخرى.

وفي هذا الإطار، فإن الحكومة تعمل جاهدة على مراجعة وتيسير إجراءات وشروط الاستفادة من البرامج الاجتماعية بغية تحسين الاستهداف والرفع من عدد المستفيدين من هذه البرامج الاجتماعية، وذلك من خلال جملة التدابير الإجرائية الرامية إلى إرساء نظام فعال لرصد الفئات الفقيرة والهشة بهدف ضمان استهدافها بشكل أكثر عدلا وفعالية (1) وتطوير حكامة ومردودية منظومة الحماية الاجتماعية الاجتماعي (2).

  1. إرساء السجل الاجتماعي الموحد

في إطار تحسين نظام الاستهداف، فقد شرعت الحكومة، في إطار مشروع على المدى المتوسط من 2017 إلى 2019 بشراكة مع البنك الدولي، في إنجاز مشروع معلوماتي لاستهداف الفئات المستفيدة من البرامج الاجتماعية، ويتعلق الأمر ب"السجل الاجتماعي الموحد"، الذي سيشكل قاعدة معلوماتية شاملة ستمكن من توحيد المعلومات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين والأسر من أجل إعطاء رؤية واضحة حول الفئات الهشة والفقيرة، أي التي تحقق شروط الاستفادة من الإعانات والبرامج الاجتماعية، وذلك لحسن استهدافها وتعزيز التناسق بين هذه البرامج، مما سيمكن من تصور وتنفيذ برامج اجتماعية أكثر إنصافا وشفافية ونجاعة.

ويتوخى من هذا النظام المعلوماتي المندمج حل مختلف الإشكاليات التقنية التي تشكل عائقا أمام تنفيذ نظام استهداف ناجع وفعال يمكن من إيصال الاستفادة الفعلية من البرامج الاجتماعية إلى الفئات التي تستحقها فعليا، حيث سيشكل السجل الاجتماعي الموحد المنطلق الوحيد للولوج لكافة البرامج الاجتماعية، (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، نظام التغطية الصحية "راميد"، "نظام تيسير"، دعم الأرامل إلخ...).

  1. تحسين أنظمة الحماية الاجتماعية

من المؤكد أن رفع الدعم عن باقي المواد المعنية بنظام المقاصة يجب أن يواكب بتعزيز الحماية الاجتماعية للمواطنين من أجل معالجة التداعيات المحتملة لهذا الإصلاح.

وجدير بالذكر، في هذا الإطار، أن الحكومة انخرطت في ورش إصلاحي هام يتوخى تحسين حكامة منظومة الحماية الاجتماعية، من خلال ضمان تنسيق مختلف أنظمة التغطية الاجتماعية، وهو الورش الذي رصد له أزيد من مليار درهم (100 مليون أوروبتمويل وشراكة مع الاتحاد الأوربي، ويهدف إلى تعزيز قدرات الحكومة في بلورة سياسة موحدة للحماية الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية الأساسية في أفق تعميمها، وتطوير الهندسة الاجتماعية من خلال تعبئة مختلف الموارد المالية والبشرية، وتحسين العرض وجودة الخدمات الاجتماعية المقدمة.

وعلى هذا الأساس، ينتظر أن يسفر هذا الورش الهام عن النتائج التالية:

  • تحقيق التقائية المعلومات الخاصة بنظام الحماية الاجتماعية في ظل تعدد الفاعلين والمتدخلين في إنتاج المعطيات والمؤشرات، في أفق بلورة تدبير مندمج لرصد وتتبع مؤشرات الحماية الاجتماعية؛
  • إحداث قاعدة مؤشرات في مجال الحماية الاجتماعية، ووضع نظام معلوماتي من شأنه أن يمكن من تدبير أفضل للسياسات المتعلقة بمجال الحماية الاجتماعية، من خلال تجميع وتحليل المعطيات المتوفرة بالمؤسسات المدبرة لأنظمة الاحتياط الاجتماعي بالمغرب.

السيد الرئيس المحترم،

السيدات والسادة المستشارين المحترمين،

ختاما، يجدر التذكير بأن الحكومة لن تقوم برفع الدعم إلا بعد توفير الأرضية المناسبة لاستهداف ناجع وفعال للفئات المستحقة لمختلف البرامج الاجتماعية، وفي هذا الإطار، فقد تم تخصيص اعتمادات مهمة بلغت هذه السنة 13 مليار درهم لدعم اسعار المواد الاستهلاكية من الغاز بوطان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين، وذلك حفاظا على القدرة الشرائية للمواطنين.

وستعمل الحكومة جاهدة على توفير الشروط الملائمة لمواصلة إصلاح منظومة المقاصة بهدف بلوغ هدف التقسيم العادل للإمكانيات المتاحة، واستهداف الفئات المحتاجة، تحقيقا للعدالة الاجتماعية المنشودة.

            والله ولي التوفيق.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

 

 

  • جلسات البرلمان الشهرية
  • خطب
  • دوريات
المزيد