الوضعية الاقتصادية والمالية

2018-07-23

جواب رئيس الحكومة حول السؤال المحوري الثاني حول "الوضعية الاقتصادية والمالية" يوم الإثنين 23 يوليوز 2018،

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين؛
السيد رئيس مجلس النواب المحترم،
السيدات والسادة النواب المحترمين،
في البداية أود أن أشكر السيدات والسادة النواب المحترمين على تفضلهم بطرح هذه الأسئلة حول "الوضعية الاقتصادية والمالية" بتزامن مع بدء مسلسل الإعداد لمشروع قانون المالية برسم سنة 2019، الذي يعد فرصة للوقوف على مختلف الرهانات والتحديات المرتبطة بتدبير الوضعية الاقتصادية والمالية.
ولا يخفى عليكم أن تحسين الوضعية الاقتصادية والمالية يوجد في صميم الاشتغال اليومي للحكومة، حيث عملت منذ تنصيبها على بلورة رؤية للتدبير الاقتصادي والمالي بمشاركة مختلف الفاعلين ترتكز أساسا على الأسس التالية:
1. دعم أسس نمو اقتصادي متنوع ومستدام من خلال دعم الاستثمار والمقاولة؛
2. تثمين مساهمة العنصر البشري في خلق الثروة عبر الاستجابة للمطالب الاجتماعية؛
3. الاندماج في الاقتصاد العالمي مع تدبير أمثل للصدمات الخارجية؛
4. ضمان فعالية المالية العمومية بتسريع تنفيذ مقتضيات القانون التنظيمي للمالية؛
5. تعبئة الموارد المالية الضرورية مع الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية.
وبالرغم من السياق الدولي الذي يتسم بمجموعة من التحديات المرتبطة بتصاعد التوترات التجارية وارتفاع أسعار النفط على وجه الخصوص، فإن تحليل المؤشرات الظرفية الاقتصادية على المستوى الوطني تبرز تطورا إيجابيا منذ مطلع سنة 2017 للوضعية الاقتصادية والمالية بشكل عام. 
وجوابا على أسئلتكم بخصوص آفاق الوضعية الاقتصادية والمالية ببلادنا، سأتطرق تباعا لجملة من العناصر كما يلي:
أولا- نسبة النمو
حقق الاقتصاد الوطني نسبة نمو بلغت 4,1 % سنة 2017، مقابل %1,1 سنة 2016. كما يتوقع أن تصل نسبة النمو ما بين 3% و4% سنتي 2018 و2019 وفقًا لآخر التوقعات المنجزة من طرف مختلف المؤسسات الوطنية والدولية. ويعزى هذا التحسن إلى أداء القطاع الفلاحي ولكن أيضًا إلى انتعاش الأنشطة غير الفلاحية التي يرتقب أن تتجاوز نسبة نموها 3% سنة 2018، بعدما كانت تتراوح بين 2% و3% منذ الأزمة المالية لعام 2008.
ثانيا- دينامية القطاعات الإنتاجية
لقد عملت الحكومة على مواصلة تفعيل الاستراتيجيات القطاعية ودعم الاستثمار من أجل تنويع النسيج الاقتصادي كخيار أساسي للرفع من الصادرات والتقليص من العجز التجاري الذي تفاقم خلال السنوات الأخيرة.
وهكذا فإن مواصلة تنزيل استراتيجية المغرب الأخضر وبفضل وفرة التساقطات المطرية وانتظامها وتوزيعها الجيد في الزمان والمكان، مكن من تحسين القيمة المضافة للقطاع الفلاحي لتستقر في حدود 13,2 % سنة 2017.
أما فيما يخص الأنشطة غير الفلاحية، فقد بلغت قيمتها المضافة 2,8 % خلال سنة 2017 مستفيدة من تحسن الأنشطة الصناعية، وكذا قطاع الخدمات خاصة القطاع السياحي. 
ومن المتوقع أن تستمر هذه الديناميكية التي تعرفها القطاعات الإنتاجية سنة 2018، كما يتضح من خلال التشخيص تطور نموها. 
فبالنسبة للقطاع الفلاحي، عرف الموسم 2017/2018 ظروفا ملائمة بفضل التساقطات المطرية، إضافة إلى التحسن الملحوظ على مستوى المكننة واستعمال الأسمدة وتقنيات السقي. في هذا السياق يقدر إنتاج الحبوب بحوالي 98,2 مليون قنطار مقابل 95,5 مليون قنطار خلال السنة الماضية، وذلك رغم التراجع النسبي للمساحة المزروعة. ويعزى هذا التطور إلى تحسن المردود المتوسط للهكتار بنسبة 25,6% ليبلغ 22,2 قنطار للهكتار. كما سيكون لأداء باقي فروع القطاع أثر إيجابي على القيمة المضافة الفلاحية، خصوصا على مستوى زراعة الأشجار والخضراوات.
وعلى مستوى الأنشطة الثانوية، أبان قطاع الصناعات الاستخراجية عن توجه إيجابي خلال سنة 2018، تماشيا مع ارتفاع حجم إنتاج الفوسفاط بنسبة 6,4% عند نهاية الخمسة أشهر الأولى لسنة 2018. ومن جانبه، تميز قطاع الطاقة الكهربائية بتحسن الإنتاج بنسبة 5,8% برسم نفس الفترة. كما سجل القطاع الصناعي تطورا إيجابيا، كما يدل على ذلك ارتفاع قيمته المضافة بنسبة 3,2% برسم الربع الأول لسنة 2018. ومن جهتها، عرفت القيمة المضافة لقطاع البناء والأشغال العمومية ارتفاعا طفيفا بنسبة 0,4% خلال نفس الفترة.
وفيما يتعلق بأنشطة قطاع الخدمات، حافظت مؤشرات السياحة على أدائها الجيد عند نهاية ماي 2018، مسجلة ارتفاعا بنسبة 9% بالنسبة لعدد السياح الوافدين وبنسبة 7% بالنسبة لعدد ليالي المبيت. كما تواصل مؤشرات قطاع النقل ديناميتها الإيجابية، خاصة حركة النقل الجوي للمسافرين ونشاط الموانئ واللذان ارتفعا على التوالي بنسبة 10,8% و 3,9% على التوالي خلال نفس الفترة. أما بالنسبة لقطاع الاتصالات، فقد سجلت قيمته المضافة ارتفاعا بنسبة 2,5% برسم الربع الأول لسنة 2018 مقابل 1,2% خلال السنة الماضية.
وهكذا، فإن توقعات النمو لسنة 2018 ستصل إلى 3,6 % نتيجة القيمة المضافة للقطاع الفلاحي التي ستعرف نموا يقدر ب 5%، وتطور القيمة المضافة غير الفلاحية         ب 3,2 % إجمالا.
وعلى العموم، فإن نسب النمو المسجلة، وإن كانت لا ترقى إلى التطلعات والأهداف المسطرة، فإنها تبقى جيدة بالمقارنة مع دول المنطقة، وكذلك بالنظر إلى تأثير الظرفية الاقتصادية الصعبة لدى الشركاء الاقتصاديين عن القطاعات الصناعة والخدمات التي لم ترق بعد إلى نسب النمو المسجلة قبل اندلاع الازمة المالية لسنة 2009/2008.
ثالثا- انتعاش الطلب الداخلي
لا يخفى عليكم أهمية تحسين الطلب الداخلي لتحقيق نسب نمو مرتفعة على المدى المتوسط. في هذا الإطار عملت الحكومة على تسريع بلورة مجموعة من الإصلاحات همت تحفير الاستثمار ودعم القدرة الشرائية للأسر. وهكذا فإن تطور الطلب قد عرف تحسنا سنة 2017 حيث بلغ 3,2 % ومن المتوقع أن يستمر في نفس المنحى ليصل إلى 3,5 % في 2018. هذا التحسن يعزى إلى التطور الإيجابي الذي عرفه استهلاك الأسر، وبنسبة أقل الاستثمار الإجمالي.
فبالنسبة للاستثمار، واصلت الحكومة سياستها الإرادية فيما يخص الاستثمار العمومي الذي يتوقع أن يبلغ 195 مليار درهم سنة 2018، مقابل 180 مليار درهم سنة 2017. فبالإضافة إلى الاستثمار في البنى التحتية ودعم المقاولات من خلال الرفع من التحويلات والرفع من تمويلات الصناديق الاستثمارية، عمدت الحكومة إلى وضع مجموعة من التحفيزات الضريبية لدعم المقاولات وإنشاء المشاريع خاصة المقاولين الذاتيين والمقاولات الصغرى. 
كما أنه وحفاظا على المجهود الذي بذل خلال السنوات الأخيرة لتحسين مناخ الاعمال وجاذبية الاقتصاد الوطني للاستثمارات الخاصة، عملت الحكومة على تنفيذ جملة من الإصلاحات، من قبيل إصدار القانون المتعلق بتعديل الكتاب الخامس من مدونة التجارة المتعلق بصعوبات المقاولة، وتخفيف الضغط الضريبي عبر اعتماد نظام الضريبة التصاعدية على أرباح الشركات في قانون مالية 2018.
وعلى العموم، فإن المؤشرات المتوفرة برسم النصف الأول من السنة الجارية تشير إلى انتعاش الاستثمار بشقيه العمومي والخاص، والذي ستظهر نتائجه خلال النصف الثاني من السنة الجارية، ومما يدل على ذلك ارتفاع حجم واردات مواد التجهيز، وكذا ارتفاع القروض الموجهة للتجهيز بالنسبة للمقاولات الخاصة بنسبة 8,2 %، وللمقاولات العمومية بنسبة 36 %، في متم مايو من السنة الجارية.
أما فيما يخص الاستهلاك، فقد ساعد توالي السنوات الفلاحية الإيجابية ومجهودات الحكومة على الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر. حيث يستفيد استهلاك الأسر من التطور المتحكم فيه لأسعار الاستهلاك (+2,4% عند نهاية ماي 2018)، إلى جانب تحسن مداخيل الأسر، ارتباطا بالآثار الإيجابية للسنة الفلاحية 2017/2018، إضافة إلى ارتفاع كل من تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج (+8,5% عند نهاية يونيو 2018) وقروض الاستهلاك (+5,6% عند نهاية ماي 2018) وتحسن سوق الشغل الذي مكن من خلق 142.000 منصب شغل مؤدى عنه خلال الربع الأول لسنة 2018.
إن توجه الحكومة في الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين يرتكز، بالإضافة إلى دعم الميزانية المرصودة للمقاصة التي بلغت 13,72 مليار درهم سنة 2018، على تحسين دخل المواطنين من خلال العمل على توجيه الجهود لخلق المزيد من مناصب الشغل ومواصلة دعم مجموعة من البرامج الاجتماعية كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وصندوق التماسك الاجتماعي (تيسير، راميد ودعم الارامل ...). 
وعلى المدى المتوسط، فإن تحسن الطلب الداخلي يبقى رهينا بمدى تفاعل الطلب الخاص مع المجهود المبذول على مستوى الطلب العمومي وتسريع الإصلاحات ونتائج الحوار الاجتماعي وتعزيز الثقة لدى مختلف الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين والدوليين، مما سيمكن من إطلاق ديناميكية جديدة بالاقتصاد الوطني.
رابعا- مواصلة العمل للنهوض بسوق الشغل
بالرغم من الاشكاليات التي يعرفها سوق الشغل، فقد تم تسجيل بعض بوادر التحسن خلال الفصول الأربعة الأخيرة، تمثلت على الخصوص في تمكن الاقتصاد الوطني من إحداث 86 ألف منصب شغل سنة 2017 بعد أن فقد 37 ألف سنة 2016، وإحداث أقل من       25 ألف سنة 2015. 
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن هذا التحسن سيتواصل خلال سنة 2018، كما يدل على ذلك عدد مناصب الشغل التي أحدثت خلال الفصل الأول من سنة 2018. إلى ذلك، فقد تم تسجيل تراجع طفيف في معدل البطالة على المستوى الوطني ما بين الفصل الأول من سنة 2017 والفصل الأول من سنة 2018 من 10,7% إلى 10,5%.
وينبغي التذكير هنا أن الاستراتيجية الحكومية من أجل النهوض بالتشغيل تعتمد على البرنامج التنفيذي للمخطط الوطني للنهوض بالتشغيل "ممكن"، الذي تم التوقيع على ميثاق تفعيله، بشراكة مع القطاع الخاص ومجالس الجهات، بالموازاة، مع تعزيز نمو اقتصادي منتج للشغل والرفع من حكامة سوق الشغل وملائمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل والرفع من نجاعة السياسات النشيطة للتشغيل. كما تحرص الحكومة على التوافق مع مختلف الفاعلين الاجتماعيين من خلال مواصلة الحوار الاجتماعي في جو من المسؤولية وإشراكهم في تصور وتتبع السياسات والبرامج الموجهة للتشغيل.
وفي إطار تفعيل الاستراتيجية الحكومية في مجال التشغيل، قامت الحكومة بجملة من التدابير، من أهمها:
مواصلة تفعيل صندوق دعم المقاولات الناشئة والمشاريع المبتكرة على شكل تمويلات (500 مليون درهم)؛
رفع مردودية برنامج إدماج ليصل عدد المستفيدين إلى 62 ألف شخص؛
تأهيل برنامج "تحفيز" ليصل إلى 1600مقاولة مستفيدة؛
رفع عدد الأجراء الذين تتحمل الدولة الالتزامات الضريبية والاجتماعية المتعلقة بهم إلى 10 أجراء عِوَض 5 في النظام السابق لفائدة المقاولات والجمعيات والتعاونيات حديثة النشأة، في حدود أجر 10 آلاف درهم؛
ارتفاع عدد المسجلين الجدد في نظام التشغيل الذاتي من 32.400 سنة 2016 إلى 59.060 في متم 2017؛
الإعفاء من الضريبة على الدخل بالنسبة للتعويضات المدفوعة من طرف المقاولات إلى الدكاترة الباحثين، في حدود 6000 درهم شهريا لمدة 24 شهرا؛
إلغاء شرط التسجيل لمدة 6 أشهر في الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات للاستفادة من إعفاءات التحملات الاجتماعية والضريبية في عقود التدريب
خامسا- المبادلات التجارية وتنافسية المنتوجات الوطنية
يمكن أيضاً تفسير الديناميكية الإيجابية للنمو الاقتصادي بالتطور الإيجابي الذي تعرفه التجارة الخارجية منذ مطلع 2017، مع تسجيل مساهمة إيجابية في حدود 0,5  % سنة 2017 نتيجة لتطور الصادرات ب 10,9 % والواردات ب 7,4 % فقط. 
وينتظر أن تظل توقعات التجارة الخارجية إيجابية خلال السنة الجارية. فخلال السنة الجارية، سجل معدل تغطية الصادرات للواردات تحسنا بما قدره 0,8 نقطة ليبلغ 58,2% عند نهاية يونيو 2018. ويرتبط هذا التطور بارتفاع الصادرات بوتيرة أسرع من الواردات (+11,4% مقابل +9,9%). 
ويعود الفضل في هذا الارتفاع المهم الذي تحققه الصادرات أساسا إلى الأداء الجيد لصادرات السيارات (+19,1%)، والفوسفاط ومشتقاته (+16,5%).
أما بالنسبة للواردات فيفسر تطورها على الخصوص بارتفاع واردات كل من مواد التجهيز (+10,8%) والمواد الطاقية (+15,7%) ومواد الاستهلاك (+8,6%).
ويفسر هذا التحسن في الميزان التجاري، إضافة إلى الأداء الجيد لمداخيل السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج على التوالي بنسبة 15,5 % و8,5 %، مكن من تدعيم صافي الاحتياطيات الدولية الذي بلغ ما قدره 229 مليار درهم عند نهاية يونيو 2018، أي ما يعادل 5 أشهر و15 يوما من واردات السلع والخدمات.
إجمالا، ستعرف سنة 2018، ارتفاعا طفيفا في عجز الحساب الجاري لميزان الأداءات ليصل إلى 4% من الناتج الداخلي الخام، مقابل 3.6% سنة 2017.
وتعمل الحكومة على مواكبة سياسة الانفتاح التجاري بجملة من التدابير والإجراءات، أهمها:
منح صفة مصدر لمختلف الفاعلين المتدخلين في مسلسل تصنيع المنتوج الموجه للتصدير؛
التدبير الناجح لعملية الانتقال إلى نظام صرف مرن للدرهم، الذي عزز الثقة في الاقتصاد الوطني؛
وعلى المدى المتوسط، يتوقع أن تستمر هذه الديناميكية الايجابية لصادرات السلع والخدمات، وخاصة مبيعات صناعة السيارات، والفوسفات ومشتقاته، فضلا عن تحسين إيرادات السياحة. بالموازاة مع ذلك، يتوقع أن يتحسن الإنتاج الوطني من المواد الغذائية، مما سيمكن من خفض الواردات خاصة من الحبوب. من جهة أخرى، يتوقع تسجيل انخفاض في واردات الطاقة بفضل السياسة الطاقية التي تنهجها المملكة.
إلى ذلك، فرغم النتائج المهمة التي يحققها الاقتصاد الوطني على مستوى التجارة الخارجية، تبقى الحكومة حريصة على تقييم المخاطر الجيوسياسية في المنطقة بهدف الحد من انعكاساتها، كتباطؤ النمو المتوقع في منطقة اليورو وارتفاع أسعار النفط الذي قد يؤدي إلى تدهور القدرة التنافسية للاقتصاد والقدرة الشرائية للأسر نتيجة لسياسة تحرير الأسعار. فالسياسة الطاقية التي تنهجها بلادنا والتي ترتكز على الطاقات المتجددة تعتبر وسيلة فعالة لحماية الاقتصاد الوطني من تقلبات أسعار المواد الطاقية على الصعيد الدولي. من جهة أخرى، تسعى بلادنا لتنويع شركائها الاقتصاديين، وذلك من أجل استثمار فرص النمو خارج منطقة اليورو.
سادسا- المالية العمومية ورهان التوازن
على مستوى المالية العامة، يتسم تدبير الميزانية العمومية بالاستقرار، حيث يلاحظ عدم مرونة النفقات للانخفاض، مع نسبة مرتفعة للأجور (40%) وصعوبة الرفع من المداخيل الجبائية. هذه الأخيرة انتقلت من 25% من الناتج الداخلي الخام سنة 2008 إلى 20% سنة 2018.
وقد عرف تنفيذ الميزانية العامة لسنة 2017 إلى تسجيل عجز بنسبة 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي. ارتفعت المداخيل بنسبة 5.7%، في حين ارتفع إجمالي النفقات بنسبة 2.7%. ويتوقع أن يبلغ متوسط العجز 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2018 و2019.
وفيما يتعلق بأداء المالية العمومية برسم الفصل الأول من 2018، أفرزت وضعية نفقات ومداخيل الخزينة عند نهاية ماي 2018 عن عجز في الميزانية ناهز 21,5 مليار درهم. ويفسر هذا التطور على الخصوص بارتفاع النفقات العادية بنسبة 3,6% ونفقات الاستثمار بنسبة 8%. 
ومن أجل مواصلة هذا التطور الإيجابي الذي تعرفه المالية العمومية، عملت الحكومة على تنزيل القانون التنظيمي لقانون المالية وترشيد النفقات، الشيء الذي مكن من خفض اختلال التوازن في الميزانية. ومع ذلك، لا يزال تدبير المالية العمومية في حاجة إلى المزيد من الفعالية، خاصة فيما يتعلق باستهداف النفقات الاجتماعية وترتيب أولويات الاستثمارات المتوسطة الأجل وتسريع الإصلاح الضريبي وإصلاح الإدارة العمومية ككل.
ولتحقيق استقرار الدين العام في 60% من الناتج المحلي الإجمالي في متم عام 2021 الذي حدده البرنامج الحكومي، فإنه يتعين العمل على ترتيب أولويات الانفاق رغم صعوبتها للتوفيق بين الجهد المبذول لتحسين جاذبية الاقتصاد والاستجابة للطلب المتزايد والملح للخدمات الاجتماعية، من جهة، والجهود المبذولة لضبط الموازنة العامة، من جهة أخرى.
سابعا- تمويل الاقتصاد
يواصل الاقتصاد الوطني حاجته للتمويل نظرا لأن الادخار الوطني بلغ 28.9% من الناتج الداخلي الخام، في حين أن مجهود الاستثمار بلغ 32.6% سنة 2017، مما نتج عنه عجز في التمويل وصل 3.6 % من الناتج الداخلي الخام، ومن المرتقب أن يصل إلى 4%      سنة 2018.
هذه النسبة تبين ارتفاع وتيرة حاجيات تمويل الاقتصاد في السنوات القادمة، مما يحتم ضرورة بذل المزيد من الجهود لتجاوز هذه الإشكالية.
في هذا الإطار، يرتقب أن ينخفض معدل مديونية الخزينة العامة ليصل إلى 64.6% سنة 2018 و64.5% سنة 2019، بعد الارتفاع الذي عرفه سنة 2017 ببلوغه 65.1%. فالمكون الداخلي سيصل 50% من الناتج الداخلي الخام لينخفض إلى 49.5% سنة 2019.
ومن جهتها، حافظت القروض البنكية على تطورها الإيجابي، حيث ارتفعت بنسبة 2,5% عند نهاية ماي 2018، بما في ذلك قروض التجهيز (+13,7%) وقروض الاستهلاك (+5,6%) وقروض العقار (+3,4%).
وبالنظر إلى هذه التطورات وتوقعات معدل نمو الأنشطة غير الفلاحية وكذا توقعات النظام البنكي، فوتيرة نمو تمويل الاقتصاد تمت مراجعتها من 4.5% إلى 4% سنة 2018 وستستقر في حدود 4.5% سنة 2019.
في هذا السياق، يمكن القول إن اعتماد تدابير لتبسيط مسطرة الحصول على التمويل خاصة للمقاولات من شأنه تعزيز ثقة مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وسيمكن من تحقيق نمو اقتصادي قد يتجاوز 5%.
وتبقى جاذبية المغرب للاستثمارات الأجنبية في ارتفاع متواصل خلال العشريتين الأخيرتين رغم الظرفية الاقتصادية الجهوية الصعبة. فقد ارتفع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة ليبلغ 34,4  مليار درهم سنة 2017، ومن المتوقع أن تحافظ نفس المستوى سنة 2018 و 2019. 
ويبين تحليل التوزيع الجغرافي للاستثمارات الأجنبية في المغرب أن أغلبية هذه الاستثمارات تأتي من دول الاتحاد الأوروبي، غير أن نسبها انخفضت من 84% سنة 2000 إلى 54% سنة 2016. وبالنسبة للدول العربية، فإن استثماراتها تشكل 27% سنة 2016 مقارنة ب 6% سنة 2000. 
بعض الإصلاحات ذات الأولوية التي تعتزم الحكومة إنجازها 
إن الحكومة واعية بأهمية وضرورة الإسراع في تنزيل الإصلاحات الأساسية المضمنة في البرنامج الحكومي خاصة في مجالات الحكامة ومناخ الأعمال والتعليم وسوق العمل، والتي من شأنها تحسين ثقة الفاعلين في الاقتصاد الوطني والنهوض بعجلة الاستثمار والتنمية.
وسيكون قانون المالية برسم سنة 2019 فرصة لإدراج مجموعة من الإصلاحات والتحفيزات من أجل تنمية الاستثمار، ذلك أن توطيد ثقة الفاعلين الاقتصاديين يمر عبر تسريع المشاريع الإصلاحية التي تعمل عليها الحكومة كإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وإصلاح ميثاق الاستثمار. هذا التطور يجب أن يدعمه إطلاق برامج إصلاحية أخرى كمواصلة تحسين مناخ الأعمال، وإصلاح قانون الشغل وتسهيل حصول الشركات على التمويل ومكافحة الفساد.
في هذا الإطار ستقوم الحكومة بمواصلة تنفيذ التدابير والإجراءات التالية:
تنزيل التصور الخاص بإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وتأهيلها في أفق تقوية قدراتها التدبيرية وتخويلها صلاحيات جديدة لتسهيل الاستثمار على المستوى الجهوي؛
اعتماد الميثاق الجديد للاستثمار؛
مواصلة جهود إرجاع الضريبة على القيمة المضافة لمقاولات القطاع الخاص؛
مواصلة التنزيل الجهوي لمخطط التسريع الصناعي؛
مواكبة الاستراتيجيات التنموية الكبرى: الفلاحة، الطاقات المتجددة، السياحة، الماء، الصناعة التقليدية، الصيد البحري، البنيات التحتية واللوجستيك، البيئة والتنمية المستدامة؛
إقرار إعفاء ضريبي لمدة 5 سنوات للمقاولات الصناعية الحديثة النشأة؛
مواصلة دعم التنمية الصناعية والاستثمارات؛
الشروع في تعميم التغطية الصحية للمهن الحرة والأجراء المستقلين؛
إطلاق التشاور والإعداد للإصلاح الشمولي لمنظومة التقاعد؛
الاستمرار في تنفيذ البرنامج السنوي الثاني للحد من الفوارق المجالية؛
مواصلة حماية المستهلكين من خلال إعداد القانون المتعلق به وتطبيقه وإطلاق حملة تواصلية في هذا المجال؛
الاستمرار في تنفيذ الرؤية الاستراتيجية للتربية والتكوين في أفق 2030؛
تنزيل المخطط الوطني للتشغيل لا سيما على المستوى الجهوي؛
مواصلة السياسات التحفيزية (الجبائية والتحويلات) التي يجب أن يتم تقييمها من ناحية الأثر على القدرة الشرائية للأسر ولكن دون إغفال أثرها على النمو والإنتاجية.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أجدد عزم الحكومة مواصلة الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى تحسين الوضعية الاقتصادية والمالية لبلادنا بالرغم من كل الإكراهات والتحديات المحيطة بنا، لا سيما ما يتعلق بارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية، وتزايد النزعات الحمائية على مستوى الاقتصاد العالمي، وذلك من أجل الاستجابة للانتظارات والمطالب الاجتماعية الملحة والمشروعة، والمتعلقة بتحسين الخدمات والرفع من القدرة الشرائية لشريحة عريضة من المواطنين.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
 

  • جلسات البرلمان الشهرية
  • خطب
  • دوريات
المزيد